rahbar.ir

إيران «تلك الأيام وهذه الأيام»؛ من الهيمنة الأجنبية إلى استقلال القرار

🔸ينشر موقع RAHBAR.IR الإعلامي مقالًا يُلقي الضوء على رسالة قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، بتاريخ 28 أيلول/سبتمبر 2026، بمناسبة حلول ذكرى أسبوع الدفاع المقدس، ويُقدّم قراءةً في منهجها التاريخي المقارن القائم على ثنائية تلك الأيام وهذه الأيام، حيث يستعرض المقال، استنادًا إلى مصادر ووثائق تاريخية، مظاهر هيمنة القوى الأجنبية على القرار الإيراني في العهدين القاجاري والبهلوي، ويقابلها بنهج الاستقلال الذي رسّخته الثورة الإسلامية في السياسة الخارجية، مؤكدًا أن تلك الأيام التي يتمنى العدو إعادة إيران إليها قد ولّت ولن تتكرر.

أصدر قادة إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية رسائل في مناسبات الأحداث البارزة في تاريخ البلاد. ومنها الرسالة الأخيرة لآية الله السيد مجتبى الخامنئي، قائد الثورة الإسلاميّة، في 28 أيلول/ سبتمبر 2026، بمناسبة ذكرى اندلاع حرب نظام صدام على إيران عام 1980. ويمكن تناول هذه الرسالة من جوانب متعددة، منها الجانب المنهجي والتحليلي.
تعتمد هذه الرسالة المنهج التاريخي المقارن، وهو منهج يقوم على المقارنة بين حقبتين أو مجتمعين أو حدثين أو أكثر عبر الزمن، لعرض أوجه الاختلاف والتشابه وأسبابها ونتائجها. وتتجلى هذه المقارنة بوضوح في رسالة قائد الثورة الإسلاميّة من خلال عبارتي «تلك الأيام» و«هذه الأيام»: المقارنة بين قدرة إيران العسكرية قبل انتصار الثورة الإسلاميّة وبعدها، وبين التبعية والاستقلال السياسي، ومكانة إيران الجيوسياسية في بحر قزوين والخليج الفارسي، وضعف الشعب وغياب دوره في الماضي مقابل حضوره الاجتماعي في إيران اليوم، وكذلك مكانة المرأة الإيرانية في الحقبتين.
تلك الأيام
عانى الإيرانيون في تاريخهم المعاصر، ولا سيما في العهدين القاجاري والبهلوي، تجارب مريرة بسبب تدخل القوى الأجنبية وتقييد الاستقلال السياسي للبلاد. فقد حد تنافس روسيا وبريطانيا وتدخلهما، عبر المعاهدات غير المتكافئة والامتيازات الاقتصادية والتأثير في القرارات الداخلية، من سيادة إيران الوطنية.
يقول قائد الثورة الإسلامية عن تلك المرحلة:
«لمس كثيرون منهم من قرب ما جرّته هيمنة الأجنبي على شؤون بلادنا من ويلات. أما الأيام التي سبقت ذلك، فكانت أيامًا حالكة، كان فيها سفراء الدول المستكبرة يُملون على ملك البلاد ما ينبغي وما لا ينبغي، فينفّذ ما يُملى عليه، راغبًا كان أم كارهًا.»
واستمر هذا التدخل في العهد البهلوي أيضًا، وأدت القوى الأجنبية، ولا سيما بريطانيا وأمريكا، دورًا حاسمًا في تأسيس هذا النظام واستمراره وتحديد مصيره، وكذلك في القرارات السياسية الكبرى.
تأسيس الحكم البهلوي ودور القوى الأجنبية
شكّل الحكم البهلوي حالة استثنائية في التاريخ السياسي لإيران؛ إذ اقترن وصوله إلى السلطة بتدخل مباشر من أطراف أجنبية، خلافًا للحكومات السابقة التي نشأت في الغالب بفعل الصراعات والقوى الداخلية. وتتناول مصادر تاريخية عديدة انقلاب عام 1921 ودور بريطانيا فيه. فيكتب محمود طلوعي، على سبيل المثال:
«كانت بريطانيا تراقب عددًا من الأشخاص لتنفيذ خطة الانقلاب، منهم سردار همايون، قائد فرقة القوزاق، وعبد الله خان طهماسبي، والعميد رضا خان المازندراني. وقد أفضت المفاوضات مع رضا خان بشأن تنفيذ الانقلاب إلى نتيجة.»
ويكتب يرواند آبراهاميان أيضًا:
«من المرجح أن رضا خان تشاور مع الضباط البريطانيين في قزوين قبل التحرك نحو طهران، وحصل منهم على ذخائر ومؤن ورواتب لرجاله.»
ويصف ملك الشعراء بهار كيفية وصول رضا خان إلى السلطة قائلًا:
«اختير العميد رضا خان، أحد ضباط القوزاق، لقيادة هذه القوات، وهي القوة العسكرية الوحيدة في إيران، بمساعدة آيرونسايد، قائد القوات البريطانية في إيران. وبناءً على اقتراح آيرونسايد، انطلق نحو طهران برفقة السيد ضياء الدين طباطبائي لتشكيل حكومة قوية. فوقعت العاصمة، بما فيها من قوات، في قبضة جماعة باعت نفسها.»
وبعد احتلال إيران خلال الحرب العالمية الثانية، تحدد المصير السياسي للبلاد أيضًا في ظل تقاطع مصالح الاتحاد السوفيتي وأمريكا وبريطانيا. وغادر رضا خان البلاد، واعتلى محمد رضا بهلوي العرش بدعم من الحلفاء.
وتقدم مذكرات الجنرال فردوست، أحد أصدقاء محمد رضا بهلوي والمقربين منه، صورة واضحة عن دور المسؤولين البريطانيين في تقرير مستقبل محمد رضا شاه. ويكتب عن الأسابيع الأخيرة من حكم رضا خان وصلته بولي العهد:
«خلال الأسبوعين الأخيرين من حكم رضا خان، كنت منشغلًا بقضايا ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بتحديد المصير اللاحق للحكم البهلوي. وكان قربي من ولي العهد وصداقته الاستثنائية معي سببًا في أن أتولى، في تلك المرحلة الحساسة، دور حلقة الوصل بينه وبين مسؤولي الاستخبارات البريطانية. وكنت في تلك الأيام الصديق الوحيد المقرب من محمد رضا والمؤتمن على أسراره... وفي عصر يوم 31 آب أو 1 أيلول، قال لي ولي العهد: «اذهب إلى السفارة البريطانية اليوم. هناك شخص اسمه «ترات»، وهو رئيس الاستخبارات البريطانية في إيران والرجل الثاني في السفارة. إنه مطلع على الأمر، فتحدث معه عن وضعي.»»
اتصل فردوست بالسفارة البريطانية، وطلب منه ترات أن يلتقيه ليلًا في مكان قريب من السفارة. وفي اللقاء، عرف فردوست بنفسه، وأوضح أن ولي العهد أرسله ليستفسر عن مصيره ومستقبله. فرد ترات بأن محمد رضا من أنصار الألمان، وقال إن البريطانيين يملكون معلومات وأدلة موثقة من داخل القصر عن سلوكه. وبعد عودته إلى سعد آباد، نقل فردوست إلى محمد رضا ما سمعه.
ويتابع فردوست:
«ما تقديرك للأمر؟ قال محمد رضا: اتصل بترات غدًا في أول النهار وحدد معه موعدًا، وقل له: تحدثت مع محمد رضا في الليلة نفسها، وقال لي إنه سيتخلص من الخريطة، ولن يستمع بعد الآن إلى الراديو إلا إلى المحطات التي يسمحون له بالاستماع إليها.»
وفي الليلة التالية، التقى فردوست ترات مرة أخرى، ونقل إليه رسالة محمد رضا. فأجاب ترات:
«حسنًا، لنر إن كان صادقًا في كلامه أم لا. قلت: متى أراك؟ قال: متى شئت، يمكنك أن تراني غدًا أيضًا، لكن ليس لدي الآن جواب غير هذا.»
بعد هذا اللقاء، أطلع فردوست محمد رضا على ما جرى. وبحسب روايته، كف ولي العهد فورًا عن الاستماع إلى الراديو، وأمر بإزالة الخريطة والخيوط والدبابيس وسائر الأدوات المرتبطة بها، وألا تبقى مثل هذه الأشياء في غرفته. وكان محمد رضا شديد القلق على مصيره، فطلب من فردوست أن يتصل بترات مجددًا ليحسم في أقرب وقت مسألة توليه العرش. بل كان يخشى أن يستبدله البريطانيون بأخيه علي رضا.
وبعد أيام، استدعى ترات فردوست مجددًا، وقال عن سلوك محمد رضا:
«عمل محمد رضا باقتراحاتنا، وهذا جيد. ونحن لا نقول بالطبع إنه يجب ألا يستمع إلى أي محطة إذاعية؛ فليستمع إلى ما يشاء من المحطات. لكن مسألة الخريطة تهمنا: ما سر هذا الاهتمام الذي كان يبديه بتقدم القوات الألمانية!»
لا تمثل هذه الرواية مجرد نموذج للعلاقة بين المسؤولين البريطانيين وولي العهد، بل تصور ظروفًا كان فيها مستقبل العرش وسلوك الشاه المقبل خاضعين لتقييم مسؤول استخباراتي في دولة أجنبية وتدخله.
نفوذ السفارات في القرارات الكبرى
لم يقتصر التدخل الأجنبي على تأسيس الحكم البهلوي، بل شمل استمراره أيضًا. فقد كان للسفارة البريطانية نفوذ في اختيار رؤساء الوزراء والوزراء وكبار المسؤولين الإيرانيين أو إقالتهم، وكان الشاه يتشاور مع السفير البريطاني. وفي السنوات التي سبقت حركة تأميم النفط، برز بوضوح أيضًا دور القوى الأجنبية في معارضة حكومة مصدق ودعم المرشحين الذين تفضلهم.
وفي السنوات الأخيرة من حكم النظام البهلوي، برز دور سفيري أمريكا وبريطانيا بوجه خاص. ويروي وليام سوليفان، آخر سفير أمريكي في طهران، عن مصير الشاه:
«عندما أنهى الشاه كلامه، قلت إن لدي أوامر بأن أنصحه بمغادرة البلاد فورًا!»
ويكتب الجنرال روبرت هايزر في مذكراته عن اختلاف المسؤولين الأمريكيين بشأن موعد مغادرة الشاه:
«سألنا الشاه عن رأينا في رحيله، فقال سوليفان: كلما أسرعت كان أفضل! فاعترضت.»... «لم يكن خلافنا، بالطبع، إلا بشأن توقيت رحيله؛ فقد كان لبقائه في إيران، وهو هدف للغضب الشعبي المتصاعد، أثر عكسي.»
انقلاب 19 آب
يعد انقلاب 19 آب 1953، والعملية المشتركة التي نفذها جهازا الاستخبارات الأمريكي والبريطاني لإسقاط حكومة محمد مصدق، من أوضح أمثلة التدخل الأجنبي. وقد وثقت الوثائق التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية، ومنها مجموعة «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» (FRUS)، والوثائق التي رفعت عنها السرية في أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن، التخطيط لهذه العملية وتنفيذها.
ومن هنا، كانت «التبعية» و«العمالة» من الصفات التي استخدمها عدد من الباحثين، ومنهم باحثون غربيون، لوصف بنية الدولة في عهد الشاه البهلوي الثاني. فتحدث شابور رواساني عن «الدولة التابعة»، ومارك غازيوروسكي عن «الدولة الخاضعة للهيمنة» أو «الدولة العميلة»، وجون فوران عن «الدولة شبه الطرفية». وعلى اختلاف أطرها النظرية، تؤكد هذه الرؤى دور القوى الأجنبية والتبعية البنيوية للحكم البهلوي.
هذه الأيام
بنت إيران بعد الثورة الإسلامية سياستها الخارجية على مفهوم «الاستقلال»، خلافًا للعهد البهلوي الذي تشكلت فيه سياسة البلاد الخارجية في إطار الموازنة مع القوى الأجنبية والتبعية لها. وأصبح القرار السياسي محكومًا بمصالح إيران وحدودها الوطنية، وصارت سياساتها تنبع من الداخل.
في «هذه الأيام»، حين يتحدث ترامب عن استسلام إيران بلا قيد أو شرط، يستند قائد إيران الشهيد في رده إلى منطق الإمام الحسين (عليه السلام):
«إن الشعب الإيراني يحسن فهم دروسه الإسلامية والشيعية، ويعرف ما عليه أن يفعل. قال الإمام الحسين (عليه السلام): «مثلي لا يبايع مثل يزيد»؛ فمن كان مثلي لا يبايع من كان مثل يزيد. والشعب الإيراني يقول في الحقيقة: إن شعبًا مثلنا، بهذه الثقافة وهذا التاريخ وهذه المعارف الرفيعة، لن يبايع قادة كأولئك الفاسدين الذين يتولون السلطة في أمريكا اليوم.»
في «تلك الأيام»، كان السفير الأمريكي يقرر لشاه إيران البقاء أو الرحيل، وفي «هذه الأيام»، يقف قائد إيران في وجه تهديد الرئيس الأمريكي ويدافع عن استقلال البلاد. وحين يحمل رئيس وزراء اليابان رسالة الرئيس الأمريكي إلى إيران، يكون رد قائد إيران:
«لا أعد شخص ترامب جديرًا بأن أتبادل معه أي رسالة، وليس لدي أي جواب له، ولن أجيبه.»
وفي تطورات ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، قال جورج بوش، الرئيس الأمريكي آنذاك، بغرور واضح في مقابلة صحفية: «على إيران أن تساعدنا في الحرب على الإرهاب. ليس لشعبنا في هذه الحرب سوى مبدأ واحد: إما أن تكونوا معنا وإما أن تكونوا ضدنا». لكن رد قائد الثورة الإسلاميّة في إيران اختلف تمامًا عما أراده بوش:
«... كل من ليس معنا، أي مع الأمريكيين، فهو مع الإرهابيين! هذا كلام خاطئ جدًا؛ كلا، ليس الأمر كذلك. فكثيرون يقفون إلى جانب أمريكا، لكنهم أخطر من جميع إرهابيي العالم. واليوم، تضم حكومة إسرائيل أخطر الإرهابيين. فالذين يتولون قيادة هذه الحكومة أصدروا بأنفسهم الأوامر بتنفيذ أبشع العمليات الإرهابية وشاركوا فيها، وما زالوا يمارسون الإرهاب كل يوم، وهم إلى جانب أمريكا أيضًا. لذلك، ليس صحيحًا أن كل من كان معكم ليس مع الإرهابيين؛ كلا، فأشد الإرهابيين تعنتًا وخبثًا يقفون الآن إلى جانبكم. وكذلك الحال في المقولة المقابلة: كل من ليس معنا فهو مع الإرهابيين. كلا، لسنا معكم، ولسنا مع الإرهابيين أيضًا.»
ونجد مثالًا على هذا الاستقلال في الرأي في السنوات الأولى للثورة الإسلامية أيضًا. فبعد السيطرة على السفارة الأمريكية، كتب جيمي كارتر رسالة إلى الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، وأرسل مبعوثين خاصين للقائه. فرفض الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) اللقاء، وكتب في رده:
«بلغني أن مبعوثي كارتر الخاصين في طريقهم إلى إيران، وأنهم يعتزمون المجيء إلى قم للقائي. لذلك أرى من الضروري التذكير بأن الحكومة الأمريكية، باستضافتها الشاه، أعلنت معارضتها الصريحة لإيران، وأن السفارة الأمريكية في إيران، بحسب ما ورد، مقر يتجسس منه أعداؤنا على نهضتنا الإسلامية المقدسة. ولهذا لا يمكن للمبعوثين الخاصين مقابلتي بأي حال. وإضافة إلى ذلك:
١- يجب ألا يلتقي بهم أعضاء مجلس الثورة الإسلامية بأي حال.
٢- لا يحق لأي من المسؤولين لقاؤهم.
٣- إذا سلمت أمريكا الشاه المخلوع، العدو الأول لشعبنا العزيز، إلى إيران، وكفت عن التجسس على نهضتنا، فإن باب التفاوض بشأن بعض العلاقات التي تعود بالنفع على الشعب يبقى مفتوحًا.»
تكشف هذه المقارنة تغير مكانة إيران في النظام الدولي: فالبلد الذي كانت قراراته المهمة في الماضي تتأثر بالقوى الأجنبية، تحول بعد الثورة إلى طرف فاعل جعل الاستقلال أحد مبادئ أمنه القومي وسياسته الخارجية.
ويقول قائد الثورة الإسلاميّة عن الفرق بين «تلك الأيام» و«هذه الأيام»:
«يمكن التوسّع أكثر في هذه المقارنة بين الأيام الماضية وأيامنا الراهنة وشرحها، لكنني، بكلمة واحدة، أعلن، بصفتي خادمًا لشعب إيران العزيز، أنّ تلك الأيام الماضية التي يتمنى عدونا إعادتنا إليها قد ولّت، ولن تتكرر أبدًا.»